هلال بن محسن الصابي
85
الوزراء
ورزحت « 1 » ، فقالت له زوجته : لو مضيت إلى الوزير وتعرّفت إليه بخدمتك كانت له « 2 » لرجوت أن ينظر في أمرك نظرا تغيّر به حالك . فأعرض عن قولها واستبعد الأمل مما ذكرته ، ثم ألحّت عليه في القول ، فمضى ودخل دار أبى الحسن وتعرض له إلى أن رآه فأمسك وانصرف ، فعرّف زوجته ما جرى ، فأشارت عليه بالعود ، فعاد ومعه رقعة يستميحه « 3 » فيها ، ولم يزل حتى وجد فرصة منه فعرضها عليه ، فلما وقف عليها قال : سل حاجة تقض لك ، واتفق أن صار إليه من خاطبه في أمر كاتب للعيال « 4 » كان محبوسا ، وسأله مسألة الوزير إطلاقه ، وضمن له خمسة آلاف دينار في خاصّه ، وللوزير عشرين ألف دينار على يده « 5 » ، وللحواشى خمسة آلاف دينار ، ووافقه على تعديل « 6 » المال عند بعض التجار بالكرخ . فلما توثّق منه قصد الوزير ومعه رقعة بالصورة ، فأمره بحمل المال ليطلق له الرجل ، فحمل المال ، فلما حصل في الدار منعه بعض الخدم من إدخاله إلى الخزانة إلى أن يؤذن في قبضه . وعرف الوزير أمره ، فتقدم إلى العطار أن يفرّق ما للحاشية عليهم ويأخذ جميع الباقي لنفسه . وأمر بإطلاق كاتب العيال ، فاستعظم العطّار ذلك وملأ قلبه ، ورأى قدره يصغر عن مثله ، فقال للوزير : يقنعني من هذا كلّه ألف دينار أغيّر بها حالي . وأجعلها رأس مالي ، فقال له : خذ الجميع عافاك اللّه ولا تكثر علىّ في الخطاب . فخرج من حضرته وصار إلى أبى أحمد المحسن ، وعرّفه الحال ، وأنه يقنعه اليسير مما أعطيه ، وأومى إلى حمل الباقي إليه ،
--> ( 1 ) يريد بقوله رزحت أنها ضعفت جدا كما يرزج الجمل بأن يسقط ويلصق بالأرض ولا يستطيع النهوض هزالا وتعبا وقد تكون الكلمة : رزح « بتشديد الزاي يقال رزح الرجل ترزيحا » إذا ضعف وذهب ما بيده . ( 2 ) أي بخدمتك التي كانت له ( 3 ) يستميحه : يسأله العطاء ( 4 ) هكذا هي في الأصل ولعلها محرفة عن العمال ( 5 ) يده : معروفه . وقد يكون المراد أن يؤدى هذا المتوسط بنفسه العشرين الألف الدينار إلى الوزير . ( 6 ) يقصد بتعديل المال أن يقيمه ويضعه عند بعض التجار .